السيد محمد حسين فضل الله
252
من وحي القرآن
غضب الله على الضالين وتوبته على التائبين أما هؤلاء الذين عبدوا العجل ، فهم على قسمين : أولئك الذين انحرفوا ثم تراجعوا وساروا من جديد في خط الاستقامة والإيمان ، وأولئك الذين استمروا على خط الضلال . إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا في ما أراده اللَّه من ضرب الذلة والمسكنة عليهم ، من خلال الظروف التي تحيط بهم ، ومن خلال النفسية الوضيعة التي تجعلهم يواجهون الحياة من موقع صغائرها لا من موقع الأهداف العليا . وبذلك فهم يسقطون أنفسهم تحت أقدام الأقوياء والأغنياء ، ليحصلوا على بعض الشهوات والامتيازات الذاتية ، فيعيشون الذل في الموقف ، والانسحاق في النفسية والروحية أمام الآخرين . وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ الذين افتروا على اللَّه الكذب ، فجعلوا له شريكا من غير حجّة ولا برهان . وربما نستفيد من هذه الآية ، استحقاق العذاب لهؤلاء من خلال اتخاذهم العجل إذا استمروا في هذا الاتجاه ، أما الذين تراجعوا فلا عقاب لهم ، لأنهم بدّلوا الموقف ، وابتعدوا عن الافتراء . . . وقد نستوحي ذلك من الآية التالية . وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ، فقد جعل اللَّه على نفسه قبول التوبة ممن تاب إليه بإخلاص . وقد سبقت رحمته غضبه ، تماما كما تاب على المشركين الذين تمردوا على الرسالة وحاربوها ، ثم أخلصوا للَّه الإيمان ، وساروا في الخط المستقيم ، وجاهدوا في سبيله . * * *